أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
318
العمدة في صناعة الشعر ونقده
- قال يونس بن حبيب : وإنما ذلك ؛ لأنه يجمع إلى جيد شعره معرفة جيّد غيره ، فلا يحمل نفسه إلا على بصيرة . - وقال رؤبة في صفة شاعر « 1 » : [ الرجز ] لقد خشيت أن تكون ساحرا * راوية مرّا ومرّا شاعرا فاستعظم حاله ، حتى قرنها بالسحر « 2 » . - وقال الأصمعي : لا يصير الشاعر في قريض الشعر فحلا حتى يروى أشعار العرب ، ويسمع الأخبار ، ويعرف المعاني ، وتدور في مسامعه الألفاظ ، وأول ذلك أن / يعلم العروض ؛ ليكون ميزانا له على قوله ، والنحو ؛ ليصلح به لسانه ، ويقيم « 3 » به إعرابه ، والنسب وأيام الناس ؛ ليستعين بذلك على معرفة المناقب والمثالب وذكرها « 4 » بمدح أو ذم . - وقد كان الفرزدق - على فضله في هذه الصناعة - يروى للحطيئة كثيرا ، وكان الحطيئة راوية زهير ، وكان زهير راوية أوس بن حجر وطفيل الغنوي جميعا ، وكان امرؤ القيس راوية أبى دؤاد الإيادى ، مع فضل نحيزة « 5 » ، وقوة غريزة ، ولا بد بعد ذلك أن يلوذ به في شعره ، ويتوكأ عليه كثيرا ، وقد نزل أعشى بنى قيس بن ثعلبة بين يدي النابغة بسوق عكاظ ، وأنشده ، فقدمه ، وأنشد حسان ابن ثابت ، ولبيد بن ربيعة ، فما عابهم ذلك ، ولا غضّ منهم ، وكان كثيّر راوية جميل ، ومفضّلا له ، إذا استنشد لنفسه بدأ بجميل ، ثم أنشد ما يراد منه ، ولم
--> ( 1 ) سبق تخريج الرجز في « باب في فضل الشعر » ص 21 ( 2 ) انظر هذا القول وما قبله في كفاية الطالب بتحقيقنا في باب أدب الشاعر . ( 3 ) في ص : « ويفهم » ، وفي المطبوعتين : « وليقيم » ، واعتمدت ما في ف . ( 4 ) في ص : « ويذكرهما » ، وفي المغربيتين : « وذكرهما » . وانظر في مثل قول الأصمعي ما ذكره ابن قتيبة في الشعر والشعراء 1 / 82 ، وفيه يقول : « وكل علم محتاج إلى السماع ، وأحوجه إلى ذلك علم الدين ، ثم الشعر ؛ لما فيه من الألفاظ الغريبة ، واللغات المختلفة ، والكلام الوحشي » . ( 5 ) في كفاية الطالب : « مع فضل نحيزته ، وقوة غريزته » . والنحيزة : الطبيعة [ انظر اللسان ]